ابن أبي الحديد

418

شرح نهج البلاغة

ثم أعاد معاني القول الأول ، فقال : إنه أنشأ الأشياء بغير روية ولا فكرة ولا غريزة أضمر عليها خلق ما خلق عليها . ولا تجربة أفادها ، أي استفادها ، من حوادث مرت عليه من قبل ، كما تكسب التجارب علوما لم تكن ، ولا بمساعدة شريك أعانه عليها ، فتم خلقه بأمره إشارة إلى قوله : ( ولم يستصعب إذ أمر بالمضي ) ، فلما أثبت هناك كونها أمرت أعاد لفظ الامر هاهنا ، والكل مجاز ، ومعناه نفوذ إرادته ، وأنه إذا شاء أمرا استحال ألا يقع ، وهذا المجاز هو المجاز المستعمل في قوله تعالى : ( إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) ، تعبيرا بهذا اللفظ عن سرعة مواتاة الأمور له ، وانقيادها تحت قدرته . ثم قال : ليس كالواحد منا يعترض دون مراده ريث وبطء ، وتأخير والتواء . ثم قال : وأقام العوج وأوضح الطريق ، وجمع بين الأمور المتضادة ، ألا ترى أنه جمع في بدن الحيوانات والنبات بين الكيفيات المتباينة المتنافرة ، من الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، ووصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها ، لان اعتدال المزاج أو القرب من الاعتدال سبب بقاء الروح . وفرقها أجناسا مختلفات الحدود والاقدار ، والخلق والأخلاق والاشكال ، أمور عجيبة بديعة مبتكرة الصنعة ، غير محتذ بها حذو صانع سابق ، بل مخلوقة على غير مثال ، قد أحكم سبحانه صنعها ، وخلقها على موجب ما أراد ، وأخرجها من العدم المحض إلى الوجود ، وهو معنى الابتداع ، فإن الخلق في الاصطلاح النظري على قسمين : أحدهما صورة تخلق في مادة ، والثاني مالا مادة له ، بل يكون وجود الثاني من الأول فقط من غير توسط المادة ، فالأول يسمى التكوين ، والثاني يسمى الابداع ، ومرتبة الابداع أعلى من مرتبة التكوين . * * *